مصدر الهامنا

 

حكاية حبات العنب الثلاث


كل نهر يبدأ رحلته الطويلة من منبع معين. وكذلك مسعانا له أيضا منبعه الأصلي، حيث تدفقت المياه العذبة لأول مرة لتشكل جدولا ،و التحم هذا الجدول  وعزز بجداول أخرى متشابهة التفكير، واتحدت معا لتشكل   أخيرا معا هذا النهر الجاري.

 

قبل حوالي أربعة قرون، قصة حبات العنب الثلاث التي حملت "طاقيةجي" (صانع قبعات) إبراهيم آغا من إسطنبول إلى بغداد، في سفرطويل ومتعب، فقط ليكتشف ذلك الكنزالدفين الذي كان موجودا في منزله ينتظر عودته إلى الوطن وهذا كمكافأة له من ربه على تصديق الرؤيا، (1). "إن لله في سبله حكما وعبرا لا يعلمها إلا هو "، لقد خالجت نفسي بهذا أثناء قراءة هذا السرد التاريخي المبهم.

 

في وقت لاحق، بعد أربع سنوات، شرعت في رحلة طويلة أخذتني من سواحل البوسفور إلى شواطئ نهردجلة ... في عام 2013، عندما عملت في "مشروع تعزيز الحوكمة في العراق"، وسط الأزمة السياسية وتصاعد العنف، في بيئة صعبة، داخل مجمع مغلق و محاط بأسوار عالية من الكونكريت، يفصله عن هذه المدينة ذات التاريخ العريق و لكن بحاضر محزن، كنت أنظر من "سجننا" بعيدا إلى نهردجلة المتدفق بسلام، عندها  تذكرت فجأة تلك القصة. إذ عادت بروحي إلى المدينة التي جئت منها وإلى الأسباب التي دعتني للمجيء... و في ومضة، ولدت الفكرة الأصلية لهذا المشروع.

 

يمكن وصف ما تبقى بأنه "عملية سريعة لتطويرالأعمال"، أو، كتوصيف أفضل، يمكننا وصفه كرحلة مذهلة من أجل جمع وترتيب أجزاء  اللغز، حتى تكتمل الصورة كاملا في الذهن. سنوات طويلة من الخبرة العملية، و شبكة واسعة من العلاقات المهنية، وتحليل دقيق للإحتياجات والفرص، والأحلام والحماس، و رؤيا و شجاعة، وإيمان، كل ذلك قد نسج معا بصورة متناغمة لجعل شبكة تنمية الشرق الأوسط أمرا واقعا.

مراد داودوف

رئيس (مدن)

 

 

 

1: حكاية  حبات العنب الثلاث: في عام 2009 قرأت في إسطنبول حكاية "طاقيةجي" إبراهيم آغا والمسجد الذي بناه في عام 1591 في منطقة توبكابي بجانب أسوارالمدينة التاريخية في إسطنبول. هذه الحكاية أعجبتني كثيرا وتحركت بعمق في داخلي . كان إبراهيم رجل فقير يعمل كصانع قبعات تعرف بـ"طاقية" ("takke"   أو "arakiye" باللغة التركية) . وقد كان يعيش في بيت فقيرمبني على مخبأ للفحم. و في إحدى الليالي رأى في منامه رجلا عجوزا ينصحه بالذهاب إلى بغداد، وذلك في سبيل الله، لكي يتناول ثلاث حبات من العنب  التي كانت رزقه و مكتوبة له.  وعندما رأى نفس الحلم ثلاث مرات متتالية  قرر أن يشد الرحال  إلى بغداد في رحلة طويلة ، و هذا فقط من أجل  البحث والعثورعلى  حبات العنب الثلاث  تحقيقا للرؤيا. ولدى مروره  بشواطئ نهردجلة وجد حقول الكروم تماما كما وصفت في رؤياه  فبدأ البحث عن تلك العنبات الثلاث  من بين آلاف حبات العنب. كان هناك رجل من أهل البلد يراقبه عن كثب  وقد إستغرب  لحاله فتوجه له بالسؤال عن سبب بحثه هذا، فأوضح له إبراهيم آغا أنه قد جاء من إسطنبول إلى بغداد بناء على  رؤيا كان قد رآها في منامه و التي تقضي بأن يبحث عن هذه العنبات  وأكلها. ضحك الرجل ساخرا من  "جنون" إبراهيم آغا، ثم قال له أنه أيضا أعتاد أن يرى حلما بأن هناك ثلاث قطع من الذهب بإنتظاره في كنزخفي تحت مخبأ للفحم في بيت صانع طاقيات في منطقة توبكابي في إسطنبول. ولكنه حتى بالنسبة لمثل هذا الكنزفإنه لن يجشم نفسه عناء  هذا السفرالطويل والصعب إلى إسطنبول. في تلك اللحظة بالذات أيقن  إبراهيم آغا  أنها الحكمة الإلهية هي التي دفعته إلى هذه الرحلة و أنه ليس للإنسان إلا ما سعى.  وعليه كانت هدية من الله تعالى له ، لأنه لم يبق متكاسلا في المنزل، بل سعى وعمل بجد  لتحقيق الأسباب . عاد إبراهيم آغا إلى إسطنبول وحفرتحت منزله وعثرعلى الكنز. شاكرا لله تعالى على ما من عليه من فضله  و كشكر منه قام ببناء مسجد صغيروجميل خلد إسمه وقصته.

 

تذكرت هذه الحكاية في بغداد في نهاية شهرأغسطس عام 2013، بعد أشهر طويلة قضيتها في العراق، مع دعاء مستمر مني  وحيرة جعلتني أخالج نفسي بأسئلة عديدة. "لماذا جئت  إلى هنا، تاركا إسطنبول المفعمة  بالحيوية  و النشاط  إلى ما يشبه السجن في بغداد وهي تعاني في هذه الأوقات ظروفا صعبة؟" . و محل الشاهد من  هذه  الحكاية  هو أن الإنسان قد يعيش وهو يجهل الكنز  الذي قد أعده الله له فقط لو ينظر تحت قدميه، وأحيانا أنه يحتاج إلى القيام برحلة طويلة بعيدا ليدرك مراده  الذي  كان دائما بين يديه لكن كان غافلا عنه. وعليه فإن كل من سار على الدرب وصل.